القرطبي
343
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون ( 36 ) قوله تعالى : ( وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ) يريد الرؤساء منهم ، أي ما يتبعون إلا حدسا وتخريصا في أنها آلهة وأنها تشفع ، ولا حجة معهم . وأما أتباعهم فيتبعونهم تقليدا . ( إن الظن لا يغنى من الحق شيئا ) أي من عذاب الله ، فالحق هو الله . وقيل " الحق " هنا اليقين ، أي ليس الظن كاليقين . وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكتفى بالظن في العقائد . ( إن الله عليم بما يفعلون ) من الكفر والتكذيب ، خرجت مخرج التهديد . قوله تعالى : وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ( 37 ) قوله تعالى : ( وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ) " أن " مع " يفترى " مصدر ، والمعنى : وما كان هذا القرآن افتراء ، كما تقول : فلان يحب أن يركب ، أي يحب الركوب ، قاله الكسائي . وقال الفراء : المعنى وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى ، كقوله : " وما كان لنبي أن يغل " ( 1 ) [ آل عمران : 161 ] " " وما كان المؤمنون لينفروا كافة " ( 2 ) [ التوبة : 122 ] . وقيل : " أن " بمعنى اللام ، تقديره : وما كان هذا القرآن ليفترى . وقيل : بمعنى لا ، أي لا يفترى . وقيل : المعنى ما كان يتهيأ لاحد أن يأتي بمثل هذا القرآن من عند غير الله ثم ينسبه إلى الله تعالى لاعجازه ، لوصفه ( 3 ) ومعانيه وتأليفه . ( ولكن تصديق الذي بين يديه ) قال الكسائي والفراء ومحمد ابن سعدان : التقدير ولكن كان تصديق ، ويجوز عندهم الرفع بمعنى : ولكن هو تصديق . " الذي بين يديه " أي من التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب ، فإنها قد بشرت به فجاء
--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 255 . ( 2 ) راجع ص 293 من هذ الجزء . ( 3 ) في ع : لرصفه .